ابن رشد
197
تهافت التهافت
أن للعقول حدا تقف عنده لا تتعداه وهو العجز عن التكليف الذي في ذلك العلم . وأيضا فإن العقل منا هو علم للموجودات بالقوة لا علم بالفعل ، والعلم بالقوة ناقص عن العلم بالفعل ، وكل ما كان العلم منا أكثر كلية كان أدخل في باب العلم بالقوة وأدخل في باب نقصان العلم ، وليس يصح على العلم الأزلي أن يكون ناقصا بوجه من الوجوه ، ولا يوجد فيه علم هو علم بالقوة ، لأن العلم بالقوة هو علم في هيولى ، فلذلك يرى القوم أن العلم الأول يجب أن يكون علما بالفعل وإلا يكون هنالك كلية أصلا ولا كثرة متولدة عن قوة مثل كثرة الأنواع المتولدة عن الجنس . وإنما امتنع عندنا إدراك ما لا نهاية له بالفعل لأن المعلومات عندنا منفصلة بعضها عن بعض ، فأما إن وجد هاهنا علم تتحد فيه المعلومات ، فالمتناهية وغير المتناهية في حقه سواء . هذا كله مما يزعم القوم أنه قد قام البرهان عليه عندهم ، وإذا لم نفهم نحن من الكثرة في العلم إلا هذه الكثرة وهي منتفية عنه فعلمه واحد وبالفعل سبحانه ، لكن تكييف هذا المعنى وتصوره بالحقيقة ممتنع على العقل الإنساني ، لأنه لو أدرك الإنسان هذا المعنى لكان عقله هو عقل الباري سبحانه وذلك مستحيل . ولما كان العلم بالشخص عندنا هو العلم بالفعل علمنا إن علمه هو أشبه بالعلم الشخصي منه بالعلم الكلي وإن كان لا كليا ولا شخصيا . ومن فهم هذا فهم معنى قوله سبحانه : لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى . قال أبو حامد : وقد خالف ابن سينا في هذا غيره من الفلاسفة الذين ذهبوا إلى أنه لا يعلم إلا نفسه احترازا من لزوم الكثرة فكيف شاركهم في نفي الكثرة ثم باينهم في إثبات العلم بالغير ولما استحيا أن يقول أن اللّه لا يعلم شيئا أصلا في الدنيا والآخرة وإنما يعلم نفسه فقط وأما غيره فيعرفه ويعرف أيضا نفسه وغيره فيكون غيره أشرف منه في العلم فترك هذا حياء من هذا المذهب واستنكافا منه ثم لا يستحي من الإصرار على نفي الكثرة من كل وجه وزعم أن علمه بنفسه وبغيره بل بجميع الأشياء هو ذاته من غير مزيد وهو عين التناقض الذي استحيا منا سائر الفلاسفة لظهور التناقض فيه في أول النظر فإذا ليس ينفكّ فريق منهم عن خزي فيما ذهب وكذا يفعل اللّه عز وجل بمن ضل عن سبيله وظن أن الأمور الإلهية يستولي على كنهها بنظره وتخييله . قلت : الجواب عن هذا كله بين مما قلناه وذلك أن القوم إنما نفوا أن